Monday, February 6, 2012

فيديو من ندوة للمفكرة القانونية: أبرز الأحكام القضائية 2011 في لبنان





ناي الراعي
تبدأ القصة بفتاة لبنانية ترغب بالزواج من شاب «من غير دينها». بهدف منعها، لجأ والدها الى القضاء الشرعي. وحين همّت بالسفر، رَغب الوالد باستخدام سلطته وسلطة القضاء الشرعي لمنعها مجدداً. وعليه، اصدر احد قضاة الشرع الجعفري حكماً قضى بمنع سفر الابنة الى الولايات المتحدة الأميركية، وهي امرأة راشدة تحمل الجنسية الأميركية، بناء على طلب والدها بصفته «الولي الجبري عليها، لكونها عزباء»، على خلفية خوفه من زواجها من رجل «غير كفؤ ومن غير دينها». لكن عند الوصول الى طلب تنفيذ القرار امام دائرة التنفيذ في منطقة العائلة المعنية، كلفّ رئيس الدائرة القاضي بلال بدر، طالب التنفيذ (اي الوالد) بمناقشة ما تضمنه القرار الشرعي موضوع طلبه، وما استند اليه في ضوء مبادئ النظام اللبناني العام، لا سيما ما تكرس منها في نصوص الدستور.
وعلى الرغم من ان الوالد اهمل المعاملة، وامتنع عن التجاوب مع تكليف القاضي بدر، يبقى القرار بحد ذاته ذا اهمية، كونه يهدف الى صون الحرية الفردية، اضافة الى خروج القاضي الذي اصدره عن التعامل مع النص القانوني بحرفيته، بمعزل عن الإطار الاجتماعي للقضية.
هذا الحكم وسواه كان محور ندوة بعنوان «اين نجح القضاء في صون الحقوق الاساسية والحريات العامة، او تكريسها في العام 2011؟»، نظمها فريق عمل «المفكرة القانونية» في الجامعة اليسوعية. وعرض المنظمون، بالتعاون مع بعض المتابعين للشأن القضائي، ابرز الأحكام التي تمكنوا من رصدها في سياق مراجعتهم السنوية لأبرز الأحكام التي هدفت إلى صون احد الحقوق الأساسية او الحريات العامة او تكريسها، وطرحها للنقاش العام.
وتضمنت الحقوق الأساسية والحريات العامة التي صانتها او كرستها الأحكام التي عرضتها المفكرة: الحق بالصورة، والحرية الفردية، وحق التقاضي والدفاع عن النفس امام المحاكم الميدانية، وحرية التعبير بمواجهة الشركات المملوكة من القطاع العام، والحرية النقابية كجزء لا يتجزأ من حق العمل وحق رفض الرقابة المسبقة.
وتمحور الجلسة حول بقع الضوء في جسم الأحكام القضائية اللبنانية، لم يؤد إلى إغفالها للإشكاليات المحيطة بعمل السلك القضائي في لبنان، والتي تحد احياناً من قدرات القضاة على إصدار أحكام تصون، او تكرّس احد الحقوق الأساسية او احدى الحريات العامة. وفي هذا الإطار، تكلّم المحامي والباحث القانوني نزار صاغية عن النواحي حيث كان من المنتظر من القضاة «تكريس إحدى الحريات أو اعتماد أسلوب تأويل قد يفتح باباً لتطوير القضاء».. لكنهم قصروا.
وحدد صاغية هنا الفئات والقضايا التي لاحظت المفكرة فيها نقصاً في أداء القضاة معها وتجاهها، أولاها تعاطي القضاء مع الفئات المهمّشة التي تشمل النساء، والمدمنين على المخدرات، والمثليين، والعمال الأجانب، واللاجئين وعاملات الجنس. وفي هذه الفئة، ركّز صاغية على تعاطي القضاة في موضوع الإدمان بحيث تبدو «روحية القانون واضحة في وجوب معالجة لا معاقبة المدمن»، مشيراً إلى أنه ما زالت الاحكام بأغلبيتها عاجزة عن «الخروج عن الرأي المسبق بالمدمن».
واشار صاغية الى وجود قضاة طبقّوا احكام المادة 534 من قانون العقوبات (التي تجرّم الممارسات الجنسية المخالفة للطبيعة)، كما رصد «تقصيرا في الأداء المتوقع من القضاة في قضية تحكم الشرطة بسير المحاكمات، اذ ان 78 في المئة من الجلسات في الشمال مثلاً، لا تتم لأن الشرطة لا تسوق المتهمين الى المحكمة.
وفي حالة إرجاء مواعيد محاكمات المتهمين، يجب ان تُحوّل القضية الى النيابة العامة للإدعاء على الدركي المسؤول عن سوق المتهم الى المحكمة. بديهياً، «الامر لا يحصل ابداً».
جانب آخر لوحظ فيه قصور في الاداء القضائي يتمثل بغياب محامي الدولة، الأمر الذي يصعّب الادعاء على الدولة لأنها «في اي دعوى تقام ضدها، لا تُحاكم لغياب محامين يدافعون عنها»، يشير صاغية، «وتعيين هؤلاء المحامين ينتظر مرسوما وزاريا». ولذلك، فحتى اليوم، «لا يمكن لأحد ان يدّعي على الدولة»، كما لم ترصد بعد اي مبادرة لأي من القضاة لمحاكمة الدولة، رغم غياب محامي للدفاع عنها، وإدانتها.
وفي سياق نقاش العوامل التي تدفع القضاة الى إصدار الأحكام التي تكرّس وتصون احد الحقوق الأساسية او الحريات العامة، طرح احد المداخلين فرضيتين: الأولى ان تكون هذه الأحكام صادرة عن القضاة الأصغر سنّاً ما يمكن ان يدلّ على امكانية ان يكون الجيل الاكثر شباباً من القضاة اكثر تقدميّة او ليبراليّة، والثانية ان يكون من يصدر هذه الأحكام حديثا في السلك القضائي، وبالتالي متحمسا للحريات العامة، لا سيما ان غالبية هذه الأحكام قد صدرت «من تحت»، بالنسبة للهرم القضائي، الأمر الذي قد يشير الى إمكانية ان تكون الهرمية داخل الجسم القضائي تحرص على إبقاء القضاة «الاكثر تقدميّة» في قعر الهرم.
هذا وقد طرحت احدى المداخلات، اشكالية تعاطي الإعلام والإعلاميين مع القضاة والمبادرات القضائية المكرّسة للحريات العامة وعلى نطاق اوسع إشكالية وصولها الى الرأي العام، فسجّلت احدى الإعلاميات الحاضرات عتباً على «القضاة الذين يصدرون احكاما جيدة» لأنهم «لا يتواصلون مع الإعلام بشأنها. من جهته، اوضح القاضي منير سليمان صعوبة تواصل القضاة مع الإعلام بشأن احكامهم اذ «لا يجوز ان يتأثر القاضي باهتمام الإعلام»، لا سيما اذا ركّز الإعلام عليه، وعامل حكمه على انه سبق صحافي. كما نبّه القاضي سليمان الى تداعيات اللجوء الى الإعلام على القاضي وعمله، ففي حال تصادم القاضي مع صاحب نفوذ، فقد يلجاً الأخير الى الإعلام متهّماً القاضي بإصدار الحكم الصدامي معه ليجذب الاهتمام الإعلامي والشهرة. وفي هذا السياق، تم استنتاج ما يشبه الخلاصة للنقاش حول تواصل الإعلام والقضاة، توصي بوجود نوع من وسيط من الاثنين يكون دوره ان يبحث عن هذه الأحكام ويرصدها بالتعاون مع قضاة ومحامين مهتميّن بالشأن العام ووضعه بخدمة الإعلام والرأي العام، وهو الدور الذي تلعبه «المفكرة القانونية» اليوم. كما كانت إشارة الى اهمية دور الإعلام «قبل صدور الأحكام في تسليط الضوء على الاشتباكات مع اصحاب النفوذ السياسي او الاحتماعي او الاقتصادي او الرمزي»، على حد تعبير احد المداخلين. تعترف المفكرة بأن رصدها لهذه الأحكام ليس قائماً على منهجية علمية ومحددة، وان فريق عملها استخلص النتائج التي عرضت معتمداً على معارف اعضائه الخاصة، وعلى ما يصل الى مسامعهم. ويدرك فريق عمل المفكرة حاجتهم الى تطوير منهجية لاستخراج الأحكام الآيلة الى صون وتكريس الحقوق الأساسية والحـريات العــامة، وان الطريق الذي تنتظرهم طويلة.


[ ستنشر نصوص الأحكام وحيثياتها القانونية بالإضافة الى التعليقات عليها في ملحق خاص بالمفكرة القانونية.

1 comment: